كتب / الغالي الزين حمدون
متابعات الخبــــر الســــــوداني
الأمثال كثيرة تطابق واقع الناس و تسير بينهم جيل عن جيل ليأخذوا منها العبر و كثير منها يتطابق مع ما جاء به الشرع و أحاديث نبوية في معانيها و مقاصدها ….
هذا المثل يحثنا على الاستفادة من تجاربنا السابقة و أن نأخذ بأحسنها ، و نتجنب سيئها . و أن لا نكرر الخطأ ، لأن تكرار الخطأ قد يكلف صاحبه ماله أو عياله أو ملكه و عزه أو حياته فيهوي بصاحبه إلى سوء الخاتمة و يصبح نادماً يقلب كفيه على تفريطه حيث لا ينفع الندم …
ديننا الحنيف يحدثنا كثيراً على اتخاذ الحيطة و الحذر حتى لا نقع في أخطاء قد توردنا مورد الهلاك ( خُذُوا حِذْرَكُم ) ….
و النبي عليه أفضل الصلاة والسلام أيضاً يحذرنا من الغفلة و يحثنا على الاستفادة من تجاربنا و عدم تكرار الأخطاء فيقول : ( لا يلدغ المؤمن من جحرٍ واحد مرتين ) . و هذا نهي واضح و توجيه للمؤمن للحذر من العناد و الإصرار على الوقوع في الأخطاء البيِّنة و المجرَّبة التي لا تفضي إلا إلى الهلاك و الدمار …..
حتى الحيوانات و الطيور و الحشرات خصها الله تعالى بخاصية الحذر بالتلون و التكيف مع الظروف لعدم الوقوع في شراك العدو .و من الأمثال يقال :
(أحذر من غراب) فمن شدة حذر الغراب أنه يوصي ابنه و يقول له : يا بني إذا رُميت فتلوَّص أي (تلوَّى) و أظهر أنك هلكت حتى لا يطمع فيك العدو و يرتد عليك بضربة أخرى و يقضي عليك ….
فقال الابن :
يا أبتي أنا أتلوص قبل أن أُرمَى ….
و في الأثر الشعبي يقال أن الغراب أوصى ابنه فقال :
أرأيت أن ابن آدم يمشي على رجلين ؟
قال نعم ….
قال فإذا رأيته انحنى على ثلاثة أرجل فاهرب قبل أن يستوي على إثنين ، و ثق بأنه ما انحنا إلا ليأخذ حجراً ليرميك به …..
و كذلك يقال أحذر من ذئب . و لأن الذئب من شدة حذره اذا نام يغمض عيناً و يفتح أخرى كما أن هناك من الحشرات و الزواحف يمتلك سرعة التصرف لتفادي الخطر حتى و لو كان محل أذى و خطورة ( الثعابين ) مثلاً برغم خطورتها فهي لا تواجه العدو إلا اذا حوصرت . و منها ما يجيد التخفي و الإنسحاب ( التكتيكي ) من موقع المواجهة غير المتكافئة……
إذا كان هذا حال الطيور و الحيوانات و الحشرات و الزواحف ، فما بال الإنسان الذي كرمه الله بالعقل و نزل إليه خبرٌ من السماء أن يحذر ألاخطاء التي تورده الهلاك ، و بيَّن له تجارب و أسباب هلاك ما قبله من الأمم و القرون ليعتبر و يتعظ حتى لا يقع ما وقعوا فيه و يهلك ……
بقدر ما هناك أناس و طيور و حيوانات تتصرف بما لديها من قدرات جبلت عليها في تدارك المواقف و تفادي المخاطر فهناك نوع من البشر و المخلوقات يسبح عكس تيار الطبيعة متجاوزاً خاصيته و فطرته التي فطر عليها بدواعي الغرور و الحماقة و البلادة و البلاهة فيفقد حياته أو حياة رهطه …..
و من البشر من يقدم على قتل نفس واحدة فيدخل أهله و عشيرته و قبيله في صراع مع الجانب الآخر بدافع الحمية و الثأر و إن لم يهلك هو فسيهلك المئات من الجانبين ……
و من المخلوقات الأخرى قد تكون في مأمن مع فصيلها فيخرج بعضها أو أحدها من مأمنه بسبب الفضول فيهلك كمن سعت لحتفها بظلفها أو يكون دليلاً للعدو على فصيله فيهلك …..
فكم في عصرنا هذا من كان يعيش في رغد من العيش و دعة فساقته حماقته و غروره و فضوله و طمعه لشراك الموت . و جر معه أبرياء من أهله و عشيرته و بلده كانوا يعيشون في مأمن فهلك من هلك و تشرد من تشرد و لنا في آل (دقلو) مثلا …..
هؤلاء كإخوة يوسف جيء بهم من (البَدْو) لأن أخاهم أصبح ( عزيزا) في قصور الخرطوم فوجدوا العيش الناعم و الأكل ( الطاعم ) و لسان حالهم يقول :
عيون المها بين القيادة و القصر *
جلبن العز من حيث و لا ندري
و دخلوا جنتهم و قالوا ما نظن أن تبيد هذه أبدا … و ما نظن الساعة قائمة و لإن رددنا إلى ربنا لنجدن منها خيراً من قلباً ….. فبغوا و طغوا و تجبروا و تكبروا و ملكوا رقاب الناس بالمال و خضعت لهم الرقاب فاسترقوهم وقالوا :
ألم يكن لنا ملك السودان و هذه الأنهار تجري من تحتنا و هذه جبال الذهب لنا ؟ ….
و استخفوا قومهم فأطاعوهم و هبوا من كل حدب وصوب و تركوا زروعهم و ضروعهم ، و بيوتاً تخفق الأرواح فيها طمعاً في القصر المنيف ، و تركوا أكل الكسيرة طمعاً في أكل الرغيف ، و عزفت نساؤهم عن لبس عباءة تقر أعينهن طمعاً في لبس الشفيف ……
و ليتهم طمعوا في ذلك من عرق جبينهم !! …..
و لو أنهم جاؤوا ليتقاسموها مع الناس لوجدوا منهم الترحاب و آثروا على أنفسهم و لو كانت بهم (خصاصة) . لكنهم جاؤوا غزاة فاتحين و مغتصبين مستحلين السبي و السلب و النهب فجمعوا لذلك الأغراب و عربان الشتات ، لكنهم وجدوا سداً منيعاً دونه ( خرط القتات ) . فانقلبوا إلى أهلهم ينهشون الفتات تاركين خلفهم جثثاً لم يسعها الأديم ، و جرحى لم يداوهم حكيم …..
ترهقهم ذلة بعد أن فقدوا أبناءهم و أعزاءهم و عدتهم و عتادهم ….. يتيهون في الوديان و الفرقان ، يستجدون ( الكسيرة ) التي تنكروا لها ، و يستظلون الشجيرة التي قطعوا ساقها ، و (الرَّكُوبة) التي هجروا و استنكروا ظهرها . و أصبح حالهم كحال أم عمرو التي قيل لزوجها : أن الحمار ذهب بأم عمرو و كان كارهاً لها فقال :
اذا ذهب الحمار بأم عمرو فلا رجعت و لا رجع الحمار …….
و ليتهم اعتبروا من هزائمهم و استفادوا من الدروس ! ….
من أين لهم الاعتبار و مثلهم مثل ( أبو الدقيق ) تلك الفراشة الحمقاء التي تتساقط في النار ليلاً واحدة تلو الأخرى…….
نعم هم كانوا كذلك ، كلما طحنت الحرب منهم فوجاً استدعوا افواجاً أخرى ليلقوا بهم في محرقة الحرب حتى فني شبابهم و انقرض شيابهم و رملوا أزواجهم و ما زالوا في غيهم يعمهون ليطل علينا ( حميتي ) من خلف الأستار تارة أخرى متوهماً أنه انسحب (تكتيكياً) من مدني و سنار و الخرطوم تاركاً كل اسلحته و دباباته و راجماته و مدرعاته لينظم صفوفه للعودة لاحتلال الخرطوم بنفس أسلحته التي تركها خلفه ( لصيانتها ) بأيدي عدوه ( الجيش) السوداني و يسلمها له خاضعاً ليدخل الخرطوم بسلام و أمان !! …..
و قبل أن يفارق صدى صوته الآذان يشنفنا شقيقه عبد الرحيم يشدو بعبارات مرتجفات ليحشد المعنويات في قطيعه و يحدوه حتى لا يحيد عن المسارات بقوله أنهم كانوا قد أخطؤوا طريق ( الهلاك ) أي مكان الحرب . و أنهم بعد خسائرهم الفادحة و هزائمهم المتكررة فتح الله بصيرتهم و أوحت لهم شيطانهم بأن (الحربة) الحقيقية هي في الشمالية و سيأتونها بجيش لا قبل لهم به أوله في (القيقر) و آخره في النيجر !! …..
و هي ذات العبارات التي أردت بهم من قبل و خرج في زينته بزيه الأبيض الناصع ليقول بكل بجاحة و هطل ( الخرطوم دي حقت أبو منو ) بمعنى هي لنا ،
و نشرب ان وردنا الماء صفواً *
و يشرب غيرنا كدراً و طينا
و تارة في بزته الزرقاء (الفخيمة) و ربطته الحمراء ( اليتيمة ) مهدداً الجيش أن سلموا الحكم فوراً و بدون لف و دوران و إلا سوف ترون و السلام ! ….
و الحمد لله الذي أراه ما لم يره غيره لكنه لم يتعظ و كأنما قيل فيه :
( و أخو الجهالة في الشقاوة ينعم ) ….
و كثرة التكرار تعلم الحمار ….
و من لا يستفد من تجاربه فحريٌّ به العَمَى …….
تعال (كمتقدر ) و السايقة واصلة …..
الغالي الزين ….
٢٠٢٥/٤/٥م ….